ملاك فيرونيكا الحارس وفريق كبير من القديسين يشكونها ويوبّخونها في اعترافها العام أمام يسوع

2٬191

الفصل الخامس
مشهد الجلجلة – الاعتراف العام

الإعترافات العامة كانت كثيرة ومواترة وحتى بعد الاحتفال بالأعراس السريّة.إن اعتراف 31 آذار سنة 1697 يختصر بشكل كاف كل الإعترافات.

استلمت القديسة في ذلك النهار أمرًا وهو أن تقدّم اعترافها العام إلى يسوع نفسه. في حالة الانخطاف، بدا لها أنها أمام المحكمة الأبدية حيث كان يجلس الرب تساعده مريم أمّه وهو محاط بإكليل عظيم من الملائكة والقديسين.

بغتةً، كسرب من النحل، خرجت من نفسها كل أخطاء حياتها وظهرت أمام المجمع السماوي. فحجب يسوع وجهه. فارتعبت من هذه الحركة، وانطرحت على ركبتي مريم التي أشاحت أيضًا بوجهها عنها وقالت لها: “لا أعرفك إبنة لي”. فأتت إلى ركبتي القديس فرنسيس وباقي القديسين. وكل أشاح بوجهه عنها.

أقعدها الرعب وليس من مدافع. ليس هناك سوى مشتكين أو قضاة كانوا يُبعدونها وكأنها إنسان بغيض. فلم تعد تنتظر سوى حكم الموت، وكأن الصاعقة ستنقضّ على رأسها. ومع ذلك تجاسرت وقالت: “يا رب، أين هي رحمتك؟”. فأشاح الرب مجدّدًا بوجهه عنها. فجاءت إلى مريم وقالت لها وهي تئن: “ألست أنت ملجأ الخطأة وأمّهم؟” فأشاحت مريم من جديد بوجهها عنها. فأشار الرب إلى الملاك الحارس الذي ألقاها على قدمي القاضي الأعظم آمرًا إياها أن تبدأ باعترافها العام.

رسمت إشارة الصليب بتأنٍّ، ولكن استحال عليها الكلام، فالخجل كان عظيمًا، والندامة عميقة. ثم قالت أخيرًا: “ربي لقد أهنتك فأنت الخير الأسمى، والآن إليك أعترف”.

فاستنارت فجأة بنور إلهي وأدركت قيمة وفعالية سر التوبة.

أرادت أن تكمل، فخنقها الألم، فقالت: “يا رب، يا رب، أنت الخير اللامتناهي وأنا قد أهنتك”. ثم انتابتها الشهقات.

فكان على الملاك الحارس أن يتكلّم باسم النفس القائم على حراستها، فذكر كل الأخطاء التي ارتكبتها منذ أن كانت بعمر ثلاث سنوات.

نزوات الطفولة، الإهانات المُنصبّة على الفقر الصغير وعلى الخادمة، الأشياء المأخوذة بدون إذن لأقامة مذابح لمريم، الوقت الذي أضاعته في هذا العمل لأجل اللذة فقط، كل هذه وُضعت أمامها. فقرّب الرب أمّه القديسة التي أكّدت شكوى الملاك وأشاحت بوجهها.

تابع الملاك اتّهامه وهو يقدّم الخطايا المقترفة ضد الفضيلة الملائكية: أباها أظهرها للعالم، ارتسمت في تفكيرها وجوه بشرية. وقد كانت إبنة عمها تزعجها بأفكار ملتوية. ولمدّة طويلة، حتى بعد حفلة الترهّب، بقيت صامتة خجولة، دون أن تدري بماذا تفكّر، دون أن تدري ماذا تقول. ثم صرخت بغمّ شديد: “ربّي، هل أسأت إليك كثيرًا؟” “لا، إنما كانت رجلك قد بدأت تنزلق، ولولا مساعدة يدي لكنتِ أصبحت في قعر الهاوية”.

كان الملاك قد وصل للخطايا المرتكبة منذ لبس الثوب الرهباني. عندها، لدى إشارة السيّد، ظهر كل من القديسة كلارا والقديس فرنسيس يقومان بدور الإدّعاء. فقد فشلت، كسكرستانية، في الوصول إلى سمو الفقر لقبولها شيئًا فخمًا جدًّا للعبادة.

جاء بعد ذلك دور القديس بونفنتورا والقديس أنطونيوس البادواني والقديس برناردينو من سيينا ثم دور القديس أوغسطينوس والقديس دومينيك ويوحنا المعمدان والقديس فيليب نيري، الذين عنّفوها على قلّة حرارتها في الخدمة الإلهية. أخيرًا جاء دور القديس لورنسيوس والقديس إسطفان، ثم دور الشهداء الذين شكوها لأنها خافت وارتجفت أمام الصليب.

لكن هذه كانت أخطاؤها الأكثر خطورة: إنها لم تشكر بنوع كافٍ فضل الله الذي منحها نعمًا كثيرة، ولم تُظهر هذه النعم إلى ممثّليه بشكل كافٍ.
أخذت تبكي وتشهق وترتجف بينما لا أحد يدافع عنها، بل الكل يوبّخها.

في هذه الأثناء انطرح القديسون راكعين أمام يسوع سائلين لها الرحمة باسم الجراحات الفادية. وانطرحت القديسات أمام مريم وخصوصًا القديسة كاترين السيانية، والقديسة روز من ليما، والقديسة تريزيا الأفيلية، متوسّلات إليها أن تقدّم ذاتها لخلاص المذنبة.

ظلّت المذنبة ترتجف إذ رأت نفسها ملتفّة برداء خطاياها، فظنّت أنها ممقوتة أمام عينيّ الله وبلاطه. لكن ارتفعت تراتيل الملائكة بأناشيد الظفر: “النصر! النصر!”

عندها اضمحلّت جميع أدناسها وخرجت نفسها كما لو من عماد جديد، وقدّمت مريم قلب فيرونيكا المُطهَّر إلى ابنها الإلهي الذي اقتبله بفرح وهو يقول لبلاطه السماوي: “لاستحقاقات جراحي واستحقاقات صلواتكم قد غفرت لها”.

ثم التفت حالًا إليها ورفع يده وباركها وهو يقول بتأنٍّ: “إذهبي بسلام ولا تعودي تخطئي من جديد”. ثم أُغلقت السماء ووجدت فيرونيكا نفسها على الأرض.

يجب أن تكون الضحية طاهرة لأنه لا يمكن أن تكون التقدمة مدنّسة. وحتى الطهارة وحدها لا تكفي، فلكي تشترك في الذبيحة الفدائية يجب أن تحتفل مع الإله – الإنسان بأعراس إلهية.

مواضيع ذات صلة