كأس المرارة! هل تقدر القديسة فيرونيكا جولياني أن تشربها؟

2٬895
في 15 آب 1694، يوم عيد انتقال السيدة العذراء الى السماء بالنفس والجسد، ظهر الرب يسوع للقديسة فيرونيكا ومعه العذراء المباركة تحمل بيدها كأساً. كانت فيرونيكا قد شاهدت هذه الكأس من قبل، إنها كأس المرارة، وفي هذا اليوم قُدّمت لها أخيراً:
كأس المرارة، فيرونيكا جولياني

«أظهر الرب لي نفسه محاطاً بالجلال والمجد، واقفاً في الفضاء محاطاً بالكثير من الملائكة. عندها رأيت ايضاً العذراء المباركة محاطة بعدد لا يحصى من الملائكة والقديسين. إثنان منهم فقط جعلاني أتعرّف عليهما. الواحدة كانت القديسة كاثرين السيانية والثانية القديسة روز من ليما. يبدو لي أنني أسمع أصوات وترانيم. لا أعرف كيف أفسّر ذلك. شعرت ان كل شيء يجذبني أقرب الى الإتحاد بالرب. شعرت أنه يدعوني. عند تلك اللحظة، تراءى لي أنني أطير، أُنقَل أقرب الى تلك الرؤيا. يبدو ان القديستين جعلتاني أتوقف في الجو بينهما، وأمامي شاهدت الرب ومريم العذراء المباركة».

«فجأة، كانت الكأس في يد الرب. كانت مليئة وتقريباً تطفح بالسائل. لون السائل داخلها كان أبيض مصفرّ. احيانا بدا لي أنه يغلي: دليلاً على المرارة العظيمة التي بداخله. في غضون ذلك، شاهدت الرب يعطي الكأس للعذراء المباركة مريم، وهي بدورها توجّهت لي قائلة: “يا ابنتي، أعطيك هذه الهدية بالنيابة عن إبني”. عند قولها ذلك كانا الإثنان يمسكان بالكأس (يسوع ومريم). وكلا القديستين قالتا لي أن أقترب وسمحتا لي بأن أقبلها. عندها بقيت الكأس معلّقة في الهواء، كأنها في وسط غيمة، واختفى كل شيء آخر. فقط الكأس بقيت. تملّكتني الرغبة الشديدة بأن أشربها، أن أخذها، لكن لم يُسمح لي بلمسها».

في 20 آب، ظهر لها الرب يسوع ثانية وقال لها أنها كانت تشرب بالفعل من الكأس، إلا أنه أرادها أن تفعل ذلك بفرح. هذه الرؤيا جدّدت قواها، كانت ترى الكأس احيانا كثيرة تمتلئ أمامها. عندما كانت تُعاني من أمر ما، كانت تشاهد الكأس تطفح بالسائل وينسكب منها خارجاً.

في ليلة 28 آب ظهر لها القديس أغسطينوس مع الرب يسوع والكثير من الملائكة، وقال لها: “هذه هدية ثمينة جداً، لأنها تُعطى لكِ من قبل الله نفسه.” في تلك الأثناء كانت الملائكة تجمع في كؤوس من ذهب، السائل الذي فاض من كأس المرارة. أُعطيَ لفيرونيكا أن تُدرك أن تلك الكؤوس تحتوي على جميع عذاباتها التي قدّمتها الى هذا اليوم، وأن الملائكة تأخذها الى عرش الله وكيف أن هذه العذابات كانت مرضية لجلاله تعالى. روح القديسة فيرونيكا كانت على استعداد دائم لشرب كأس المرارة واستنزافه حتى الثمالة.، لكن طبيعتها السفلى – اي الجسد – كانت ترتجف رعباً من المنظر، كما فعل الرب الفادي في بستان الجسمانية. لذلك عمدت الى إخماد مقاومة الجسد هذه عن طريق التكفير. كتبت: «لا أثق به (بجسدها)، لأني أعلم أنه ليس ميتاً بعد. أجد روحي مستعدة دوما، حتى أنها تشتهي بفارغ الصبر، أن تشارك في ذلك الجفاف المرّ، من أجل تحقيق مشيئة الله».

تضيف: «أحياناً كنت أشعر بأشواقي تصرخ “آه، متى تأتي الساعة يا إلهي، التي تهبني فيها أن أشرب من كأسك، إني أخضع تماماً لمشيئتك، لكنك وحدك ترى عطشي. انا عطشانة ليس للتعزيات بل للمعاناة والآلام”. بدا لي أنني غير قادرة على تحمّل المزيد من التأخير. في إحدى الليالي بينما كنت مستغرقة في الصلاة، ظهر لي الرب يسوع والكأس بيده، وقال لي: “إنها لكِ، أعطيكِ إياها من أجل أن تتجرّعينها كما فعلتُ أنا، لكن ليس الآن. أعِديّ نفسكِ، لأن في حينه سوف تشربينها”. حالاً بعد هذه الكلمات اختفى، تاركاً الكأس مطبوعة بشكل واضح في ذهني بحيث من تلك اللحظة وحتى الآن لم تتركني».

في تلك المناسبة، أوضح لها الرب العذابات المروِعة الني يجب عليها أن تتكبّدها بالفكر والجسد، ليس فقط من الإهانات والإغراءات والفِتن التي كان الخبيث الشيطاني يحضّره لها، بل أيضاً من الإتهامات الكاذبة، الهجمات، والإزدراء من زميلاتها، وأخيراً من الله ذاته، في الوحدة الشديدة والجفاف الروحي الذي سيجعلها تختبره. لكل تلك المعاناة، قدّمت هذه العذراء السخيّة نفسها كذبيحة مرضية لمشيئة الله.

لكن الرؤية التالية هي التي ستكون، حسب ما كتبت القديسة بكلماتها، مؤثرة وفعّالة أكثر من الرؤى السابقة التي ذكرناها: «وجدت نفسي غارقة في الكرب، بحيث شعرت أنني بالكاد أقدر أن أقف، ذهبت الى الكنيسة، انبطحت أمام القدّوس، قدّمت له ذاتي مرة آخرى دون تحفّظ. شعرت فجأة بهدوء ما، واختُطفتُ من ذاتي وقدّم الرب ذاته لي. لا يمكنني شرح كيف تمّ ذلك، أعلم فقط أنه قال لي “كوني شجاعة، لا تخافي، انا هنا لأساعدك، هوذا أنظريني”. بهذه الكلمات جعلني أرى حالة إنسانيّته المقدّسة خلال جلده على العمود. وقف أمامي يتدفّق الدم من جسده الذي مغطى كلّه بالجراح. كانت الكأس بيده. قال: “أنظريني يا محبوبتي، أنظري الى تلك الجراح، التي هي، كما كانت فعلاً، أصوات كثيرة جداً تدعوكِ لتشربي من كأس المرارة هذه. أعطيها لكِ، وأرغب ان تشاركيني فيها”. بقوله ذلك اختفى تاركاً لي الكأس”. شعرت منتعشة بالروح وحتى الجسد متأهّب. وجدت نفسي مغمورة بالسلام الداخلي، وبالرغبة الشديدة في أن أحقّق مشيئة الله».

سنصف الآن واحداً تلو الآخر العذابات المريرة التي توافقت مع تلك الرؤى. في المرتبة الأولى نفرت طبيعتها البشرية من هذه الكأس، التي كانت باستمرار امام أعين فكرها. أصيبت يومياً بحمّى عنيفة، التي أبقتها لمدة ثمانية أيام دون أكل او شرب. أحيانا كان محتوى الكأس الغامض ينسكب عليها، عندها كانت تشعر بنفسها تحترق كما بالنار، وكلما شربت أكتر كان تشتعل حرارة ويزداد عطشها هيجاناً. أحياناً أخرى كانت تشاهد السائل ذاته يسقط على طعامها، الذي أضفى اليه مذاقاً شديد المرارة، تسبّب لها بتسمّم في حنكها لفترة طويلة. ثم في مرات غيرها كانت تقع نقاط سائل المرارة كقطرات، ما تلبث ان تتحوّل الى سيوف كثيرة، رماح، وسهام، التي كانت تجرح جسدها وتطعن قلبها. لكن الذي كان أشدّ إيلاماً من ذلك هي العلاجات التي خضعت لها. لكون صحتها وقوّتها هما اللذان عانوا بالأكثر نتيجة تلك التجارب، رأت الأمّ الرئيسة ان تضع فيرونيكا بين يدي الأطبّاء. أطاعت فيرونيكا فوراً، غير راغبة بقول اي شيء عن سبب تلك الأمراض والجراح الغامضة، فُرضت عليها ثلاثة أنواع من الأدوية، لكن جميعها سبّبت لها عذاب رهيب. حتى أصبحت ما أن تبتلع حبّة، حتى يضطرّ جسدها لرفضها. في وصفها لذلك كتبت ما يلي: «كلما تناولت تلك العلاجات الثلاث، كنت أشعر أنها نهاية حياتي… عظيم هو العنف الذي اضطررت الى استخدامه نحو نفسي من أجل أخذهم، لدرجة أني كنت على أهبّة الإنفجار إرباً».

مع ذلك لم تبدِ أقل اشمئزاز، على العكس استمرّت في الترديد للرب من كل قلبها “sitio ، sitio سييتو انا عطشانة، انا عطشانة”. رغبتها كانت تُستجاب، كانت الممرّضة تدخل غرفتها في الوقت التي كان جسم فيرونيكا يرفض قسراً الأدوية، فكانت تعطيها غيرها حالاً. تأخذها فيرونيكا لكن ما أن تبتلعها حتى تُنتج الحبوب نفس التأثير وتُحدِث نفس النتيجة.

في تلك الأثناء عملت الشياطين على تحقيق القسم الذي تمّ تحذير فيرونيكا عنه، حين أعلمها الرب يسوع أن تتوقّعه. في إحدى الليالي ألقوا بها الشياطين في حمام مثلج وأبقوها فيه لمدة ساعتين. حين تركوها كانت فاقدة الحركة والشعور. فوراً بعد أن وُجدت في تلك الحال أُخضِعت للعلاج لما لا يقل عن أربع ساعات لاستعادتها، بواسطة النار والملابس الساخنة. فضلاً على الأدوية المقوّية، لكن تلك جميعها زادت من معاناتها. في أحيان أخرى حاولت الشياطين الهجوم على طهارتها بواسطة الظهور بمظهر شبّان لإغرائها، او حاولوا ترويعها بواسطة ظهورهم لها بشكل أشباح مخيفة. كما حاولوا تشويه الحالة الرهبانية وتفسيرها على أنها نوع من الجحيم، متّهمين التكرّس المقدّس بأنه سبب دينونتها الأبدية. ذهبوا الى حد ربطها في السلاسل. ضربوها باستمرار، وأعلنوا لها عن رغبتهم بجذبها معهم بعيداً صارخين بفرح جهنّمي “أنتِ لنا، أنتِ لنا”.

على الرغم من ابتلائها بكل تلك العذابات إلا أن روحها لم تُقهر، بل انها دعتهم الى تعذيبها اكثر الى أقسى ما سمح لهم به الرب قائلة: «تعالوا اذا! إني على استعداد لتحمّل كل شيء. إن كنتم تسعون الى منافسة بعضكم البعض على الحاق الأذى بي، ها إني مستعدة لمواجهتكم. أنظروا كيف يمكنكم تعذيبي، وانظروا كيف أتحمّل. كلما ضايقتموني أكثر سوف يسرّني ذلك أكثر. مبارك، مبارك الصليب، ومبارك الألم!».

بغضب أكبر من اي وقت مضى، هجم خصومها عليها بأعدادٍ كبيرة، مثل الكلاب المسعورة، بينما تشرب هي باقتناع من كأس المرارة. لكن محنتها الأشد مرارة كانت ما جاءها من قبل الله ذاته، لغرض تأكيد ثبات وإخلاص روحها، أبعد ذاته عنها، على الأقل ظاهرياً. لأنه في الواقع كان أقرب إليها من أي وقت مضى مع نعمته، وكانت عين رحمته عليها باستمرار.

عبّرت القديسة فيرونيكا عن نفسها في هذا الأمر بما يلي: «كل المحن التي اختبرتها كانت لا شيء، بالمقارنة مع تلك التي عانيت فيها من الهجران الداخلي، متروكة، محاطة بالظلام الدامس. علاوة على ذلك وُضعتُ على مسافة بعيدة جداً عن الله، لدرجة شعرت بأنني غير قادرة على إصدار تنفّس واحدا توقاً الى الله. آه كم هو لا يُطاق ألم النفس، أن تجد نفسها محرومة من كل دعم وعون، ومنفيّة من خيرها الأعظم. إنها تتنهّد، لكن لا من يسمع. تنادي عريسها السماوي، لكنّه لا يأتي. تبحث عنه، لكنّه يطير بعيداً عنها. تصلّي له، لكن لن يستجيب لها. هكذا كانت روحي مضطربة. بدا لي أن نزاع الموت لا يمكن أن يكون أسوأ ممّا تحمّلت. الإنعاش الوحيد الذي أملكه، هو رؤية كأس المرارة تقترب باستمرار مني … يبدو أنها مليئة بالاشمئزاز من كل ما نصبه لي المجرّب. أحتقر مكره، أخضعته مراراً وتكراراً برفض أباطيله، معلنة له أنّي لم أنخدع بأي واحد منها. تبعت نفسي برضى، تحقيق مشيئة الله، الذي هو سيّدي المطلق…. تبارك الله! كل شيء أكابده بيدو صغيراً من أجل حبّه. مبارك الصليب البسيط. تبارك الألم النقي! ها أنذا مستعدة لتحمّل كل شيء، في سبيل إرضاء ربّي الحبيب. ومن أجل توطيد تحقيق مشيئته الإلهية».

مواضيع ذات صلة