دعوة فيرونيكا ودخولها الدير

4٬509

فيرونيكا جولياني

صراع دعوتها
غدت صبيّة الآن. إنّها جميلة. العالم يتودّد لها، يجذبها. كان الأب يفرط بتدليلها لحبّه الزائد: “كان يريدني دومًا إلى جانبه”. كان يُرغِّبها بأزياء جميلة بحسب الموضة، آخذًا إيّاها إلى الحفلات؛ كان الشبّان يتملّقونها بكلام معسول، “لكنّها كانت ترمي باقات الورود من الشبّاك”… إنّها حرب بين العالم والله. قلبها الله، لكنّ الأصوات الإلهيّة أضحت خافتة تحت تأثير إغراءات هذا العالم.

دخلت سنّ المراهقة، جاهلة أسرار الحياة، ولكم تساءلت دون خبث هل جرحت يسوع؟ كم ستقمع بزيّها الرهبانيّ نزوات طفولتها وتهوّر سنّ المراهقة! ستذرف دموعًا من دم، ذاكرةً إلى ما لا نهاية ما سوف تدعوه خطايا”. إنّه صراعٌ تصفه اليوميّات جيّدًا، تختبره كلّ الدعوات تقريبًا، ولو بمستويات مختلفة؛ لَمِنَ المفيد التعمّق به وتأمّله لكيما نعي كم يمانع الشيطان والعالم والجسد تحقيق دعوة حقيقيّة. كانت تشعر بجانب دومًا أكبر نحو الصلاة. وبقدر ما كانت تسترسل بها، بقدر ما كانت تشعر بفراغ كلّ الإغراءات البشريّة. ثلاث من أخواتها أصبحن راهبات. “سأصبح راهبة” كانت تجيب الجميع… وفي النهاية، ستنتصر على والدها الذي كان يُعيقها علنًا، ويريدها دومًا معه قائلة: “إنّي أحبّك. لكن عليّ أن أُحبّ الله أكثر منك. سأذهب إليه، وبتركي إيّاكَ أقودُك إليه”.

قبولها في الدير
عندما فشل والد فيرونيكا في ابعادها عن دعوتها الرهبانية، أوكل هذه المهمة إلى عمها. أثناء إقامتها لديه وقعت فريسة المرض، لدرجة أن أعلن الطبيب أن شفاءها مرهون فقط بتلبية رغبات قلبها. سوف تختار الدير الأشد فقراً والأكثر تقشفاً، وهو دير الكبوشيات اللواتي ينذرن وفق قانون القديسة كلارا الأصلي. وهولاء كن قد استوطن منذ فترة قليلة في [شيتا دي كاستلو]. ذهبت فيرونيكا لزيارتهنَ، بغية الالتحاق بهنَ؛ وقد أبدت الراهبات إعجابهنَ بشخصها وكلامها. غير أن عدد الأخوات المثبت في قوانين الكنيسة كان مكتملاً، مما حال دون قبولها في الدير. نُصحت بزيارة سيادة الأسقف، فوجدها فتية، وهي ابنة السادسة عشر، فرفض قبولها بحجة إكتمال العدد.

ها هي تنزل الأدراج آسفة… لكنها ترجع بعزم: ها هي من جديد عند قدمي الأسقف. تـُقَبل ثوبه وترجوه بحرارة أن يقبلها. يبدأ فوراً بالفحص المعتاد، معجبا بإيمانها وتصميمها. يقدم لها كتاب الفرض: “إقرأي”. تقرأ دون خطأ، دون تردد أو تلعثم، فترتسم ملامح التعجب على وجه العم الذي يعلم بأن ابنة أخيه لاتعرف اللاتينية!

تلي ذلك أسئلة فسحت لأجوبة متواضعة ودقيقة. ثم تخطيْ كل العوائق. بعد بعض المعارضة لدعوتها من قبل والدها وأقاربها، حصلت أورسولا أخيرا على إذن للانضمام إلى الدير في شيتا دي كاستيلو ودخلت الدير في سن السابعة عشرة في 28 أكتوبر 1677. عند دخولها الدير، قال الأسقف سباستيني، الذي ترأس مراسم الإحتفال للراهبات، “حافظوا على هذه الفتاة ككنز ثمين لأنها سوف تصبح قديسة عظيمة”. وهذا الأسقف هو الذي اختار لها الإسم: “من الآن فصاعدا اسمك سيكون الأخت فيرونيكا، معناه الصورة الحقيقية والفريدة، الذي هو أنت والله وحده”.

لكن الشيطان استمر في هجومه: فعانت أورسولا اضطرابات وقلقا شديدا… لكنها تحدت كل العواصف والعوائق. حل النهار الموعود: أبوها لن يشارك في الاحتفال…. تـم إلباسها كعروس المسيح. الأسقف يترأس. تتم المراسيم بفخامتها المهيبة. يسقط الشعر أمام المقص. يمنحها الأسقف إسم: فيرونيكا ويتنبأ عن قداستها المستقبلية. يُفتح باب الحصن… شن العالم هجومه الاخير غير شبان متملقين، لتثبيط عزيمتها. وقد روت فيرونيكا ذلك في يومياتها:

“كانوا يخاطبونني: “أيتها السيدة العروس، مايزال لديك مُتسع من الوقت؛ إن كنت تريدين أن تقولي لا فما زلت تستطيعين ذلك.”

“كرروا ذلك مرات عديدة، فكان بمثابة تجربة كبيرة لي؛ لكني بنفس سخية استدرت وقلتُ: “لقد فكرت جيداً، وإني لآسفة بأني لم أتمم هذا منذ عدة سنوات”.

“بدأتُ أنتزع عني كل الحلي والزينة. لم تـُرد ذلك السيدات اللواتي يرافقنني، فقلتُ: “لا أريد تقبّل الصليب مع هذه الأباطيل. فأنزعوها عني بكليتها”. “هكذا فعلت؛ وبينما كنت أتخلص من ذلك كله، كنت أسعى جاهدة لأبقي فكري في الله، مكررة تقديم ذاتي للرب. لم أرِد رؤية أحد من الذين كانوا في الكنيسة. فما عدت وفتحت عيني إلّا عندما وطئت قدماي الحصن”.

كتبت القديسة فيرونيكا تصف يوم ارتداءها الثوب الرهباني:
“بعد معركة بين طبيعتي البشرية والروح، شيئاً، لا أعلم إن كانت تلك ذكريات او إنخطاف الذي أخرجني عن حواسي. لم أكن قادرة على فهمها. في تلك اللحظة شاهدت الرب، الذي كان يقودني. أعتقد أنه كان يمسك بيدي. كنت أسمع أصوات متناغمة وترنيم ملائكي. في الواقع، اعتقد أنني كنت في السماء.”

“أذكر أنني رأيت مجموعة متنوعة من الأشياء، كلّها مسرّات الفردوس. عندئذٍ رأيت العديد من القديسين والقديسات. ورأيت أيضاً السيدة العذراء المباركة.”

“أذكر أن الرب رحّب بي وقال للجميع ‘هذه أصبحت خاصّتنا الآن’، ثم التفت إلي وقال: ‘قولي لي ماذا تطلبين’. طلبت نعمة أن أحبّه، وبدا لي أنه ينقل لي حبّه هناك في تلك اللحظة. ثم سألني عدة مرات ‘ماذا تريدين؟’.

“فطلبت ثلاث نِعَم: الأولى أن يمنحني نعمة أن أحيا بحسب متطلّبات حالتي (الرهبانيّة) التي ابتدأتها؛ الثانية ألا أبتعد أبدًا عن إرادته القدّوسة؛ والثالثة أن يُبقيني مصلوبة دومًا معه. وقد وعدني بمنحي كلّ ذلك قائلاً لي: ‘لقد اخترتُك لشؤون عظيمة، لكن يتوجّب عليك التألّم كثيرًا لأجل اسمي’. وبقيت هذه الجملة الأخيرة منطبعة في عقلي لدرجة أنّها كانت عونًا لي طوال سنين حياتي”.

مواضيع ذات صلة