القديسة فيرونيكا وعلم التكفير

2٬721
إنّ علم التكفير على جانب كبير من الأهميّة في عالمنا المعاصر.
فالمجتمعات الحاليّة “المؤلّهة للجسد”، والباحثة عن رغد العيش، لا تستطيع أن تتقبّل هذا العلم، لكونه يتعارض مع مبادئها وقيمها القائمة على البحث عن اللذة والانكباب الجامح على كلّ ما تشتهيه الحواس والرغبات، على كلّ ما “يلذ لنا”. فإنّ علم التكفير هذا، يهذّبنا ويحثّنا ليس فقط على تقبّل آلام وصعوبات الحياة، بل أيضًا على البحث الطوعي عن التجرّد، وحرمان الذات والإماتة.
فيرونيكا والتكفير
 
ما المنابع التي استُقي منها هذا العلم؟
قبل الغوص في الكتاب المقدّس واللاهوت، خصوصًا بعد ما أثبتناه في الفصل السابق من حقائق حول جهنّم، لا يسعنا أبدًا أن نتغاضى عن ذكر العبارة الشهيّة في الرسالة التي وجّهتها والدة الله إلى البشريّة جمعاء عبر الأطفال الثلاثة الذين عاينوا ظهورات فاطمة. وهي عبارة تختصر بمضمونها مفهوم عام التكفير أو التعويض، وقد ورد فيها: “العديد من الأنفس تسقط في جهنم لعدم وجود من يصلّي ويقوم بالإماتات لأجلها”.
 
في هذه العبارة نجد أسس علم التكفير الشهير، خاصّة في كتابات القدّيس بولس الرسول – الذي كانت القدّيسة تدعوه “رسولي القدّيس بولس”، كما قد ذكرنا – خاصّة في الرسالة إلى أهل كولوسي 1/24 : “إنّني أفرح بالآلام التي أقاسيها من أجلكم، وأكمّل في جسدي ما نقص من آلام المسيح لأجل جسده الذي هو الكنيسة” كذلك في الرسالة الأولى للقدّيس بطرس الرسول 2/21: “المسيح قد تألّم عنكم تاركًا لكم مثلاً تقتدون به”.
 
فما أعظم اقتداء القدّيسة فيرونيكا بالآم السيّد المسيح.
إنّ حياة القدّيسة فيرونيكا التي عبّرت عنها كتاباتها خير تعبير، مطبوعة بكلّيتها برائحة علم التكفير هذا، حتّى أنّ الكاردينال بالاتسيني، بعدما أعلن أنّ رسالة القدّيسة فيرونيكا لم تبدأ بعد في الكنيسة، لم يتورّع عن الاعتراف بضرورة التوقّف عند مبدأ التكفير الذي له منـزلة كبيرة في يوميّات القدّيسة، والذي يعطينا الحقّ بأن نعتبرها المعلّمة الأسمى لعلم التكفير”.
فمنذ مركاتيلّو، وهي لا تزال طفلة، كان يسوع قد قال لها:
“إنّك لي. وأنا لك. ستكونين عروستي، مشاركتي في عمل الفداء”.
ولقد تسنّى للقدّيسة فيرونيكا التعمّق أكثر في دعوة التكفير بالألم. فها إنّ يسوع يشرح لها قائلاً:
“إنّ الإنسان الذي خُلق بفعل الحبّ”. لأجل الحبّ، قد هان “الحبّ” بكبرياء الروح وبتمرّد الجسد.
أنا قد ضمّدت الجرح المُلحق بالحبّ الخالق، وضمّدته بواسطة الألم الأقصى. من يريد على مثالي أن يعوّض عن الحبّ الخالق؟ من سوف يريد أن يكمّل في ذاته ما نقص من آلامي الفدائيّة؟ أتحبّيني؟”
 
أجابته فيرونيكا: “ها آنذا يا ربّ! إنّي أريد صليبك.
أريد فيّ كلّ العذابات التي أصابتك؛ فمعك، وعلى مثالك، أريد أن أعوّض عن الحبّ الخالق؛ وبالأكثر، فإنّني أبتغي كلّ السيوف التي اخترقت قلب مريم شريكة الفداء، أريدها أن تخترق قلبي. إنّكَ تسألني: “أتحبّيني؟ آه! كم إنّي أحبّك يا ربّ! فإنّني أقول لك فعلاً: أصلب فيرونيكا”.
تابع يسوع كلامه قائلاً: “بواسطة جراحاتي ضمّدت الجرح المُلحق بالحبّ الخالق. من سيبتغي أن يطيّب الجراحات الملحقة بي، أنا الحبّ الفادي”؟
 
وترى فيرونيكا يسوع مخضّبًا بالدماء: دم في عينيه، في فمه، وعلى جسده كافّة. يا إلهي، تصرخ من بدّل أحوالك على هذا النحو؟ فيجيبها: الخطأة، الهراطقة؛ وخاصّة الذين ينكرون عليّ صفة الحبّ”.
فتتقدّم بيدٍ مرتجفة، وهي تشهق بالبكاء: “سأكون أنا فيرونيكا خاصّتك، المعوّضة والمعزيّة. إنّي أهب دمي تعويضًا عن دمك… أهب ذاتي لكيما يسمّرني الخطأة بدلاً عنك… سأكون رسولتك. إنّني أحبّك”.
 
وفي موضع آخر، يُظهر لها يسوع قيمة الألم، فتبادر إلى كتابة نشيد إكرامًا للألم:
“إنّ درهمًا من الألم تفوق قيمة كلّ ثروات وكلّ أفراح العالم. لو كان لي ألف لسان لما استطعت أن أعبّر عن الخير الذي يجلبه الألم للنفس… إنّ الألم هو مفتاح الحبّ… من يسير في درب الألم الحقّ، ليس لديه رغبة سوى في أن يخدم الله بحبّ صافٍ، والحبّ النقيّ يزداد بقدر ما يزداد الألم الحقّ… صلبانًا أعطني! صلبانًا أريد!”
“إرادتي هي ألاّ أحيا دون عذاب؛ دون عذاب لا أستطيع أن أحيا… أيّها الصليب الصالح، تعالي إليّ! أيّها الصليب العزيز، خذني وسمّرني عليك! أيّها الكنـز العظيم، يا سرير الحبّ، إجعلني أرتاح بين ذراعيك! أيّها الصليب العزيز، تعالَ إليّ! أنت وحدك من أتوق إليك، أنت وحدك من انتقيته سندًا لي ومتّكأ.”
 
لماذا ارتضت فيرونيكا هذه الحياة؟
لدى تصفّحنا يوميّاتها، يتّضح الأمر جليًّا:
“لأجل الذين يخطئون، لأجل الذين لا يحتشمون، لأجل الذين يتلذّذون، لأجل الذين لا يصلّون، لأجل الذين لا يحبّون، لأجل هؤلاء جميعًا ينبغي التكفير، التستّر، التألّم، الصلاة، والحبّ.”
مواضيع ذات صلة