القديسة فيرونيكا تعيش جميع عذابات المسيح من الجسمانية حتى الصليب

4٬043

القديسة فيرونيكا

بقي على القديسة فيرونيكا الأمرين الرابع والخامس اللذان فرضه الأب كريفيللي، والذي عليها أن تثبت قدرتها في الطاعة وتنفيذ الأمر. وذلك بمشاركتها في كل آلام فادينا الإلهي.

في صباح أحد الأيام، في نفس شهر نوفمبر، تقدّمت القديسة فيرونيكا من كرسي الإعتراف وأعلمت الكاهن، الأب كريفيللي، أنه تمّ إبلاغها من قبل السيدة العذراء، أنّ الأمر الرابع سوف يُنفّذ مساء ال 29 من الشهر الحالي، الذي يصادف ليلة عيد القديس اندراوس. وأنها ستبدأ اختبار آلام الرب يسوع في الساعة الثالثة من الليل، وعليه أن يكون حاضراً. وأيضاً أخبرته أن الزمن المناسب لاستمرار الآلام ، بما في ذلك مشاركتها بسبع أحزان العذراء المباركة، هو 24 ساعة. مع ذلك، في حال أمر هو بذلك فسوف يتوقّف كل شيء فوراً عند أمره.

أجاب الأب كريفيللي بشكّ وقال أنه بقي أن نرى حدوث ما يسمح به الله. مضى الكاهن لإبلاغ الأسقف، وبعد الحصول على موافقته، عاد الى عمله في الكلّية. باكراً في صباح يوم 30 نوفمبر وصل اليه رسول من الدير يستدعيه على عجل، معلناً أن فيرونيكا تنازع، لكن بما أن كان للكاهن علماً مسبقاً بما سيحدث، لم يكن على عجل، بل بدأ بالتباحث في الأمر مع الأب جوليو دي فيتشي عميد الكلّية. تكرّر استدعاءه، فقرّر الذهاب الى الدير مع الأب العميد. ما أن دخل صومعة القديسة فيرونيكا حتى وجدها في ثوبها الرهباني مستلقية على سريرها، غطاء السرير تحتها ولحاف من الصوف فوقها، وهي في حالة إعياء شديد، تجاهد من أجل التنفّس.

أمرها الأب كريفيللي باسم الطاعة أن تخرج من الحالة التي هي فيها وتعود الى نفسها. فدعاها للإعتراف ثم تكلّم معها عن حالتها وتأكّد منها أنها منذ الساعة الثالثة من الليل كانت تتعذّب مع الرب يسوع في حديقة الجسمانية، لحظة القبض عليه، وتكبيله بالحبال، الى جانب الضربات والإهانات التي خضع لها أثناء محاكمته امام هيرودوس وبيلاطس. الى هذه المرحلة قد وصلت في مشاركتها آلام الرب يسوع، حين أمرها بالتوقّف. أضاء الكاهن شمعة، وأشار الى رفيقه الأب دافيتشيلي أن ينظر العلامات العميقة على كلا معصميها، كما لو أنّها قُيّدت بشدّة بالحبال. نجد في شهادة الأب كريفيللي أنهما الإثنين اختبرا في تلك اللحظة شعوراً بالرهبة ووخز الضميرالذي ينتج عادة عن عمل إلهي فائق الطبيعة. ثم سألها ما هو سرّ الآلام الذي يتبع المحاكمة، فأجابت أن العذاب المقبل هو الجلد. فشجّعها أن تحتمله بسخاء. وبعد أن منحها الغفران، طلب منها باسم الطاعة المقدسة أن تخضع للعذاب القاسي التي كانت مقدمة عليه، على أن تعلم بأن عليها التوقف في اللحظة التي يأمرها بذلك.
تمّ تنفيذ هذا الأمر فوراً.

نعود الى شهادة الأب كريفيللي لنورد بكلماته ما ذكر في تقريره: “شاهدناها على سريرها تهتزّ وترتعش بشدة لدرجة أن المشهد كان مخيفاً ورائعاً في نفس الوقت. الأشدّ عنفاً هي الحركات التي كانت تدفع جسمها من اتّجاه الى آخر. أحياناً كان رأسها يضرب الحائط بقوة شديدة لدرجة أن ألواح السرير خرجت من مكانها، وجدران صومعتها اهتزّت بقوّة بشكل مرئي، كما لو على يد زلزال. الضجيج الذي صدر عنها كان عظيماً لدرجة أن الراهبات اللواتي كنّ في الدير ركضن الى المكان في رعب معتقدات أن الدير سيقع. إضطررت لإبعادهن، خوفاً من أن يدخلهن القلق أكثر. أما الأب ديفيتشي فكان متأثّراً جداً. قسماً من ذلك بسبب التعاطف الذي شعره نحو الأخت فيرونيكا، التي كانت تخضع لمعاناة وعذابات هائلة، وقسماً بسبب الخوف الذي لا بدّ أن يشعر به من يشاهد هذه العذابات الرهيبة المدهشة، لدرجة أنه لم يحتمل أكثر. فوجد نفسه مضطراً لمغادرة الصومعة والعودة الى الكلية، دون أن ينبس بكلمة. أما أنا فسمحت لها بالإستمرار في المعاناة لساعة أخرى، إن كنت أتذكّر جيداً. بعدها أمرتها باسم الطاعة المقدسة أن يتوقّف العذاب عند قولي “كفى، ليتوقّف كل شيء”. كان رائعاً مشاهدة تلك التي كانت تظهر مجرّدة من كل الحواس، ومستغرقة بالكامل في سرّ الجلد الذي كانت تمرّ به، خالية من كل قوّة، تعود الى نفسها في لحظة، وكل آثار المعاناة اختفت، تاركة إياها في حالة من الهدوء الكامل.”

عند ذلك طلب الأب كريفيللي من فيرونيكا، معتمداً على طاعتها، أن تتوجّه للمشاركة بالذبيحة الإلهية الذي سيقيمها حالاً في كنيسة الدير وأن تسمع القداس وهي جاثية على ركبتيها. فقامت للحال لتنفيذ هذا الأمر. عندما انتهى القدّاس، طلب الكاهن من فيرونيكا أن تعود الى سريرها، وبحضور رئيسة الدير الراهبة ماريا توماسيني، وبعض الراهبات، أمرها المضي قدماً في الآلام.

كتب في شهادته أنه رأى على رأسها وجبينها انطباع آثار اكليل الشوك. بدت بعدها أنها تتكبّد حمل الصليب الثقيل صعوداً الى الجلجلة. استدلّ الحاضرون على ذلك من المعاناة الشديدة التي تقاسيها.

“رأيت بوضوح” أكمل الأب كريفيللي، “مراحل الصلب في كل عذاباته لقد كان مصوّراً بوضوح شديد ، صلب واقعي على صليب مادي محسوس . ما أن أعطيت الأمر، أصبح هيكلها مشدوداً، وذراعيها ممدودتين على شكل صليب، أعصاب يديها بارزة وذراعيها مثبّتتان تماماً كما لو أنها مسمّرة على صليب حقيقي. قدميها أيضاً تأثّرت بشكل مماثل. انحنى رأسها الى أسفل، واختلج صدرها كأنها في غمرة النزاع. العذابات الهائلة التي خاضتها، أثبتها العرق البارد الذي رشح من جبينها، والدموع الي سالت على خدّيها، وأيضاً باقي الأعراض الخارجية التي ترافق نزاع الموت الأخير. بعد أن بقيت في هذه الحال لمدة ساعة، وجدت أنها على وشك الموت. متشجّعاً من النجاح الذي لاقته تعليماتي السابقة، أمرتها باسم فضيلة طاعتها المقدّسة أن تدع جميع عذاباتها تتوقّف. تمّت إطاعتي، ولم يتبقّى كل أثر مما خاضته باستثناء ضنى الإنهاك الطبيعي”.

عندئذٍ طلب منها الأب كريفيللي قول فعل تجديد الإيمان ونكران الشيطان وجميع أباطيله. تذكّر أن العذراء المباركة ألمحت الى أن فيرونيكا ستختبر في هذا اليوم أيضاً الأحزان السبعة التي طعنت قلب مريم الطاهر، فأخبر فيرونيكا أنه يرغب في مراقبة حركات قلبها. “في الواقع، عاشت في قلبها كل واحد من السبعة أحزان بطريقة محسوسة” أضاف الأب كريفيللي، “سمعت كل واحدة من نبضات قلبها بوضوح مثل دقّات الساعة. علمت أنها كذلك لأني راقبت المكان من حيث صدرت، وميّزت الهياج والإضطراب الشديد الذي أحدثته الآلام في صدرها”. بعد وقت قصير أمرها بأن يتوقّف هذا أيضاً. وقد توقّف في الحال، وعادت فيرونيكا الى ذاتها مرة أخرى.

عند منتصف الليل طلب أن تتناول عشاءها في حضوره. بعد أن بارك طعامها أكلت بهدوء دون أدنى شعور بالغثيان الذي كانت تعاني منه كلّما تناولت الطعام. مملوءاً بالدهشة من جميع المعجزات التي شاهدها، عاد الأب كريفيللي الى كُليّته.

بهذا انتهى الإختبار الرابع وبقي الخامس والأخير.


المقالات الكاملة بالتسلسل حول موضوع الإختبارات

  1. ابلاغ القديسة فيرونيكا جولياني بتفاصيل الاختبارات
  2. تنفيذ الاختبارات الثلاثة الاولى
  3. تنفيذ الاختبار الرابع
  4. تنفيذ الاختبار الخامس والأخير
مواضيع ذات صلة