القديسة فيرونيكا تشاهد في رؤيا وفاة والدها وتكفّر عنه

9٬420

القديسة فيرونيكاحاول فرانشيسكو والد القديسة فيرونيكا مراراً أن يُقنع ابنته في التخلّي عن فكرة دخولها الدير. في إحدى المرّات بينما كان يتوسّل اليها أن تترك رغبتها في أن تصبح راهبة أثناء حياته، شعرت بإلهام علوي دفعها لتجيبه:

“إن أصبحت راهبة الآن، فأنت في لحظة الموت سوف تُجنَّب التفكير بأنك رفضت ذلك لي. بما أنه لدينا الوقت الآن، دعنا لا نتّكل عليه لاحقاً. هذه الحياة تمرّ كالريح، وعند ساعة رحيلك سوف تتمتّع بسلام كبير إن كانت روحك مستعدّة كما ينبغي، لكن هذا أمر لن يساعدك فيه وجودي. الآن لديك الوقت لتنظر في ما هي واجبات المؤمن المسيحي، وهي القيام باعتراف جيد”.
عند سماعه ذلك تغيّر وجهه وسألها: “لماذا تتكلّمين معي هكذا؟”
أجابته فيرونيكا: “لأني أشعر بأنني ملهمة بقول ذلك.”

في الواقع مرّ زمن طويل منذ قام ىالدها بالإعتراف. لم يمضِ وقت طويل على هذه المحادثة حتى اقترب والدها سرّ المصالحة المقدّس. وكلما اقترحت عليه ابنته حكمة مقدّسة، كان يتأثّر بوضوح ويغمره شعور التوبة وتأنيب الضمير. بعد عودتها الى ماركتيلو كانت فيرونيكا تلوم نفسها بشدّة لعدم تحدّثها بأكثر صراحة مما فعلت، فكتبت له رسالة تقول فيها بأنها فعلت الأفضل حسب معرفتها باحتياجاته الروحيّة.

لم يمضِ وقتاً طويلاً بعد ذلك، حين دخلت حياة الدير، أن جاء فرانشسكو من بياتشينزا لشيتا دي كاستيلو لزيارتها، واعترف أن كلماتها أثّرت به وقادته ليعيش حياة مسيحية. في الختام قال لها: “أيتها الإبنة العزيزة، إليك أستودع رعاية روحي. فليكن هذا مسعاكِ أن تعينيني في الحياة وبعد الموت”. فوعدته فيرونيكا بذلك. وقد فعلت وأوفت وعدها بإخلاص وحماس.

بضع سنين بعد هذا اللقاء ، أظهر الله لها في حلم بالليل أن والدها مريض جداً، أقلقها الحلم لدرجة أنها نهضت وصلّت وأوصت به الى الله. في الليلة التالية شاهدته في نزاعه الأخير ومن ثم توفي بعد ذلك بوقت قصير.

حينما أخبرت الراهبات بما رأت، نصحنها بأن تعتبر الحلم من عمل التخيّل. تبعت جزئياً نصيحتهن، لأنها استلمت منذ وقت قليل رسالة منه. مع ذلك لم تستطع التخلّص من تأثير ما شاهدت، ومن وقت لآخر كانت تبكي بمرارة، كما أوضحت في كتاباتها بأنها شعرت بقلبها ينفجر من الحزن.

أثبتت رؤياها بأنها صحيحة. فقد وصل خبر وفاته ، واتّضح أنه مات بعد مرض قصير في نفس اللحظة التي شاهدت وفاته في منامها.
دون أي تأخير بدأت بتقديم الكثير من الصلوات من أجل راحة نفسه. فتعطّف الرب عليها وسمع صلاتها.

سمح لها في البداية أن بأن ترى والدها في مكان مظلم كثيراً ومخيف، حتى أنها شكّت بأنه جهنّم بذاته. لكن ظنّاً منها بأن هذا عمل الشيطان، ازدادت حرارة في صلاتها . بعد ذلك رأت والدها ينظر اليها من وسط معاناته وقال هذه الكلمات: “يقع على عاتقك أن تحصلي لي على الرحمة!”
وكما يمكن التصوّر، لم تدّخر فيرونيكا نفسها للقيام بذلك.

بعد أن قامت القديسة بالعديد من أعمال التكفير والصلوات، شاهدته مرّة أخرى، وقد خُفّفت عذاباته كثيراً. إستمرّت الإبنة الصالحة في الصلاة وتقديم التضحيات نيابة عن والدها، فقال لها الرب يسوع يوماً: “اطمئني، ففي عيد القديسة كلارا سوف أنقل روح والدك من مسكن العذاب الحالي. لكن إن أردتِ أن يتمّ ذلك، عليكِ أن تعاني كثيراً.” قدّمت فيرونيكا ذاتها بطيبة خاطر لتحمّل كل شيء بالتكفير عن والدها، لتحصل له على التعزية .

وفي عيد القديسة كلارا، رأت أنه ما زال في المطهر، لكن ليس بنفس مكان العذاب الشديد. مثابرتها على الصلاة بحماس متزايد جعل الرب يسوع يؤكد لها أن والدها سيتحرّر بالكامل في عيد الميلاد المقبل.

كتبت القديسة فيرونيكا في يومياتها عمّا شاهدت بخصوص تحرير والدها :
“في ليلة الميلاد شاهدته في المطهر، وفي لحظة ظهر ملاك وأخده بيده وأخرجه . شاهدت والدي في نفس الهيئة والمظهر كما كان أثناء حياته، مرتدياً الأبيض. بادرني بالكلام وشكرني على كل الإحسان الذي أظهرته نحوه. فجأة أصبح مُشّعّاً بالنور، ولم يعد بالإمكان تمييز هيئته البشرية. واختفى برفقة الملاك، وفهمت أنّ العذراء الكليّة القداسة قد حصلت لي على هذه النعمة في هذه الليلة المقدّسة. تأكدت من ذلك في الصباح التالي. فبعد المناولة المقدّسة، ظهرت لي روح والدي، بجمال وتألّق عظيمين، وأعلمني بأن الكثير من الأرواح تحرّرت هي أيضاً من عذابات المطهر. في الواقع كان جميع أولئك الأسرى المفديين مرئيين لي بأعداد كبيرة، وأعتقد أن في مناسبتين أو ثلاث أُنعم علي بتجديد هذا التأكيد المبارك. قلمي عاجز على التعبير عن التعزية التي منحتني تلك المعرفة.”

أنظروا كم هي رائعة الإمتيازات التي من الممكن أن يتوقّعها الآباء من أيدي أولادهم القديسين! ينبغي للأمثلة التي مثل هذه أن تثير الرغبة القوية عند جميع الآباء والأمهات بأن يقودوا عائلاتهم في طرق الله. إن لم يكن لفرنشيسكو جولياني إبنة قدّيسة، ربما كان قد هلك الى الأبد. أو على أقل تقدير كانت معاناته في المطهر تجاوزت كل تخيّل.

مواضيع ذات صلة