الشيطان يبدأ معركته مع القديسة فيرونيكا جولياني

3٬277

الشيطان يبدأ معركته مع القديسة فيرونيكا جولياني: معركة بين الروح والجسد

فيرونيكا جولياني

أخذ الشيطان يتلمّس حقيقة عدوّته المستقبليّة الكبيرة، وبدأ الهجوم عليها.
 توصّل الشيطان، حتّى إلى اتخاذ شكل المعلّمة، فنصحها بعدم الانفتاح على المعرّف، آمرًا إيّاها بأن تُبقي ذلك سرًّا… كذلك توصّل إلى لبس شكلها لكي يحرّض أخواتٍ أخريات ضدّ الأم الرئيسة، التي، لتصديقها ذلك، أضحت معادية لها، مقابلة إيّاها بالبرودة والصمت.
“ما إن دخلتُ الدير حتّى بدأت المعركة: في الليلة الأولى بعد ارتدائي الثوب، كنتُ مرتبكة بسبب هذا الواقع الجديد والتغيير الذي طرأ على حياتي. فحينما رأيت ذاتي ضمن تلك الجدران، لم تعرف بشرّيتي الاطمئنان؛ لكنّ الروح من الجهة الأخرى كان فَرِحًا بكلّيته… كلّ شيء كان يبدو له قليلاً حبًّا بالله”.
نجد في هذه الكلمات الوجيزة شبه مختصر لحياتها المستقبليّة:
صراع بين ما ستدعوه “بشريّتي” التي هي “القسم السفلي”، عدوّة الخير، مُحبّة لما يُريحها، متشكّية، متأفّفة، مقاومة للتألم، للحرمان، للإماتة، للإتضاع، للطاعة”، وبين “الروح” الذي هو “القسم العُلوي الذي ينفتح على النور، وعلى الفعل الإلهيّ الذي يجتذبه، يَسوسُه ويَبثّ فيه القوّة والسخاء؛ يتوق دومًا نحو العلاء ويرغب في التقدّم دون توقّف في درب العذاب لنقيّ، واقتبال إرادة الله النقيّة”. مع “البشريّة” تلتقي الحواس حُبّ الذات، الحكمة البشريّة، وكلّ المشاعر الناجمة عن إثبات الذات. أمّا مع الروح، فتظهر رغبة عميقة في التعزية، في الهدوء المحبّ. وفي المقابل، ترتجف هذه الروح وترفع الصراخ حتّى النجوم، في كلّ مرّة تقدّم إليها كأس — بالجفاف، وبالدعوة إلى هجر الله، والاستجابة للتجارب.
 
بين الروح والبشريّة يبدو الوفاق مستحيلاً. في الحقيقة، ليس ذلك سوى وجهٍ للثنائي جسد وروح لدى القدّيس بولس: “إنّ رغبات الجسد مُضادة لله، لأنّها لا تخضع لشريعته، ولا يمكنها حتّى ذلك” (روما 8/6). الجسد هو مجموع الميول الأنانيّة لدى “آدم العتيق”؛ الروح: الإنسان الجديد اللابس المسيح، “إن كنتم قد قمتم مع المسيح فابتغوا ما فوق … لا ما هو على الأرض” (كولسيّ 3/ 1-3).
لقد كرّست فيرونيكا لهذه المعركة الدراماتيكيّة صفحات وصفحات مليئة بالحيويّة، وبـ “خفّة الظلّ”، محتفلة بتمجيد مقاومة المغريات، ولجم التذمّرات وكفكفة الدموع التي كانت تصدر من بشرّيتها، وذلك تحت وطأة متطلّبات الروح الصارمة. نجدها تردّد مرارًا: “كانت بشريّتي تبكي بينما الروح يتهلّل.
 
تجارب مختلفة

ما أن وطئتْ عتبة الدير حتّى رأت فيرونيكا الربّ “يعيّد” مع البلاط السماوي قائلاً: “لقد أصبحت هذه خاصّتنا منذ الآن” وسألها: “قولي لي ماذا تريدين؟” فطلبت فيرونيكا ثلاث نِعَم: “الأولى أن يمنحني نعمة أن أحيا بحسب متطلّبات حالتي (الرهبانيّة) التي ابتدأتها؛ الثانية ألا أبتعد أبدًا عن إرادته القدّوسة؛ والثالثة أن يُبقيني مصلوبة دومًا معه. وقد وعدني بمنحي كلّ ذلك قائلاً لي: لقد اخترتُك لشؤون عظيمة، لكن يتوجّب عليك التألّم كثيرًا لأجل اسمي”. وبقيت هذه الجملة الأخيرة منطبعة في عقلي لدرجة أنّها كانت عونًا لي طوال سنين حياتي”

وكان ذلك ضروريًّا فعلاً، فبينما كانت تُقبّل الثوب والجدران شاكرةً الربّ على النعمة الكبيرة، نعمة ارتدائها الثوب، بدأ الشيطان وبشريّتها فورًا هجومها الشرس: لقد بدأت تشعر بنفور من المكان: فالدير والقلاّية، بديا لها قبرًا، سجنًا. كلّ شيء بات ثقيلاً عليها، لدرجة أنّها فكّرت بالهروب من السقف. نفور من العمل الديري واليدوي، لكونها غير معتادة على ذلك. نفور من الصلاة: فهي معتادة على البحث بعفويّة عن إلهها، وجدت ذاتها الآن بوتيرة نظام مشترك مملّ، معدّ مسبقًا بأدقّ تفاصيله، حيث أنّ وحدة الأسلوب هي قيمة أوليّة، بينما العفويّة تُعتبر تفرّدًا. ستكتشف فيما بعد قيمة الحياة النظاميّة، والعيش المشترك، اللذين ستتفانى في المحافظة عليهما فرديًّا وجماعيًّا.

أمّا النفور الأقوى، فكان من الأشخاص. فقد دفعت ثمن تأقلمها مع حقيقة الحياة المشتركة غالبًا … أخذت تسمع أنّ بعض أسرارها تُذاع.. فقدت الثقة… انغلقت على معلّمتها، على المسؤولة والمعلّمة، بل حتّى عن المعرّف. بقيت ثلاثة أشهر دون اعتراف.

“كنتُ أكشف نقصًا أو هفوة ما فقط، أمّا التجارب والإزعاجات، فلم أكن أتفوّه عنها بكلمة، متحمّلة صراعات ليلاً نهارًا… آه كم عانيتُ بسبب ذلك! كان الشيطان يجرّبني كلّ مرّة، خصوصًا في الكتمان عن المعرّف…”. وكانت تبكي طويلاً خلال الليالي…
 
مواضيع ذات صلة